ابن المقفع

313

آثار ابن المقفع

ان تهنئه بذلك وتفرده به وهذا الباب من أبواب البخل وأبوابه الغامضة كثيرة . وإذا كنت في قوم ليسوا بلغاء ولا فصحاء فدع التطاول عليهم في البلاغة أو الفصاحة . اعلم أن بعض شدة الحذر عون عليك فيما تحذر وان شدة الاتقاء تدعو إليك ما تتقي . ان رأيت نفسك تصاغرت إليها « 1 » الدنيا ودعتك إلى الزهادة فيها على حال تعذّر منها عليك فلا يغرنك ذلك من نفسك على تلك الحال فإنها ليست بزهادة ولكنها ضجر واستخذاء « 2 » وتغير نفس عندما أعجزك من الدنيا وغضب منك عليها مما التوى عليك منها ، ولو تممت على رفضها وأمسكت عن طلبها أوشكت ان ترى من نفسك من الضجر والجزع أشد من ضجرك الأول باضعاف ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا وهي مقبلة عليك فاسرع إلى اجابتها . اعرف عوراتك وإياك ان تعرّض بأحد فيما شاركها وإذا ذكرت من أحد خليقة فلا تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه فتتهم بمثلها ولا تلح كل الالحاح . . وليكن ما كان منك من غير اختلاط فان الاختلاط من محققات الريب . وإذا كنت في جماعة قوم ابدا فلا تعمّن جيلا من الناس أو أمة بشتم ولا ذم فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض اعراض جلسائك ولا تعلم ، ولا تذمّن مع ذلك اسما من أسماء الرجال أو النساء بان تقول : ان هذا لقبيح من الأسماء فإنك لا تدري لعل ذلك موافق لبعض جلسائك في بعض أسماء الاهلين والحرم ولا تستصغرن من هذا شيئا فكله يجرح في القلب وجرح اللسان أشد من جرح اليد ، واعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض والتوقيع بالرجال في التماس

--> ( 1 ) تصاغر اليه الشئ : صار صغيرا عنده . ( 2 ) والاستخذاء الخضوع .